أحمد بن محمد ابن عربشاه
411
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وقد أخلص في القول والعمل ، وسأله عن حاله وموجب هزاله وانتحاله ، وما سبب هذا الرزوح والرزوم المؤدى إلى النزوح ، فما أحار جوابا ولا ذكر خطأ ولا صوابا ، فصار الغراب يرتقبه ، وحيثما توجه يعتقبه ، ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الآكام ، رأى الجمل قد أقبل إلى الماء ليطفئ بشربه سورة الظمأ ، فتخفى الغراب واقتفى ظهره إلى أن قاربه ، وكمن خلف صخرة ، فسمعه يقول بعد ما شرب ، وقد رأى السميكات في اللعب : لك الحمد يا رب ما أرحمك وطوبى لكنّ يا سمك ، لا من رئيسكن تخفن ولا من هيبته ترجفن ، لا ملك يهولكن ولا سلطان يغولكن ، ولكن البكاء على الجمل الذي ضاقت به الحيل قد وقع في در دور البلاء « 1 » ، ولا يهتدى إلى طريق النجاء ، بل ولا يدرى عاقبة أمره المهول إلى ما ذا تؤل ، أإلى الغرق والندامة ، أم إلى النجاة والسلامة . ثم أخذ في الانتحاب إلى أن أبكى الغراب ، فلما رأى أبو القعقاع هذه الأوضاع ، قضى من الأمر العجاب ما يتشيب منه الغراب ، ثم توجه إلى أسد الشرى وعرض عليه ما جرى بتخيير المشترى ، فتشوش فكره وتشور أمره ، وضاق بالهم صدره ، وقال : أنا كففت عن الشر والشره وعففت عن ذلك كأن لم يرني ولم أره ، وتركت القرم والأذى ، وفطمت نفسي عن لذيذ الغذا ، ليأمننى أصحابي ويأنس بي أحبابي ، فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن على محبتي سرائرهم ، أي فائدة لي في الحياة ، وكيف أخلص في حرم المودة من كدر العيش إلى صفاه ، وكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته ، كيف يثبت سلطانه أو يساعده عند الشدائد أعوانه ، أنا بذلت جهدي وطاقتى وتشبثت بأذيال الصلاح على قدر استطاعتي ولم يبق إلا
--> ( 1 ) الدردور : موضع في البحر يجش ماؤه فيخاف فيه الغرق . والمعنى مصيبة كبيرة .